السيد هاشم البحراني
411
البرهان في تفسير القرآن
تجارة لها ، فرأى زيدا يباع ، ورآه غلاما كيسا حصيفا « 1 » ، فاشتراه ، فلما نبئ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دعاه إلى الإسلام فأسلم ، وكان يدعى زيد مولى محمد ( صلى الله عليه وآله ) . فلما بلغ حارثة بن شراحيل الكلبي خبر ولده زيد قدم مكة ، وكان رجلا جليلا ، فأتى أبا طالب ، فقال : يا أبا طالب ، إن ابني وقع عليه السبي ، وبلغني أنه صار إلى ابن أخيك ، فاسأله ، إما أن يبيعه ، وإما أن يفاديه ، وإما أن يعتقه . فكلم أبو طالب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : هو حر ، فليذهب حيث شاء . فقام حارثة فأخذ بيد زيد ، فقال له : يا بني ، الحق بشرفك وحسبك . فقال زيد : لست أفارق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أبدا . فقال له أبوه : فتدع حسبك ونسبك ، وتكون عبدا لقريش ؟ فقال زيد : لست أفارق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ما دمت حيا . فغضب أبوه ، فقال : يا معشر قريش ، اشهدوا أني قد برئت من زيد ، وليس هو ابني . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اشهدوا أن زيدا ابني ، أرثه ويرثني . وكان زيد يدعى ابن محمد ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يحبه ، وسماه : زيد الحب . فلما هاجر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى المدينة زوجه زينب بنت جحش ، فأبطأ عنه يوما ، فأتى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) منزله يسأل عنه ، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر « 2 » لها ، فنظر إليها ، وكانت جميلة حسنة ، فقال : سبحان الله خالق النور ، وتبارك الله أحسن الخالقين ! ثم رجع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى منزله ، ووقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا ، وجاء زيد إلى منزله ، فأخبرته زينب بما قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال لها زيد : هل لك أن أطلقك حتى يتزوجك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ فلعلك قد وقعت في قلبه . فقالت : أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . فجاء زيد إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال : بأبي أنت وأمي - يا رسول الله - أخبرتني زينب بكذا وكذا ، فهل لك أن أطلقها حتى تتزوجها ؟ فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اذهب ، واتق الله ، وأمسك عليك زوجك ، ثم حكى الله ، فقال : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّه وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّه مُبْدِيه وتَخْشَى النَّاسَ واللَّه أَحَقُّ أَنْ تَخْشاه فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها ) * إلى قوله : وكانَ أَمْرُ اللَّه مَفْعُولًا « 3 » فزوجه الله من فوقه عرشه ، فقال المنافقون : يحرم علينا نساء أبنائنا ويتزوج امرأة ابنه زيد ! فأنزل الله في هذا : * ( وما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ) * إلى قوله : * ( يَهْدِي السَّبِيلَ ) * . ثم قال : * ( ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّه ) * إلى قوله : * ( ومَوالِيكُمْ ) * » . فاعلم أن زيدا ليس ابن محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وإنما ادعاه للسبب الذي ذكرناه ، وفي هذا أيضا ما نكتبه في غير هذا الموضع ، في قوله : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ ولكِنْ رَسُولَ اللَّه وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) * « 4 » .
--> ( 1 ) الحصيف : الجيد الرأي المحكم العقل . « لسان العرب - حصف - 9 : 48 » . ( 2 ) ) الفهر : الحجر قدر ما يدق به الجوز ونحوه . « لسان العرب - فهر - 5 : 66 » . ( 3 ) الأحزاب 33 : 37 . ( 4 ) الأحزاب 33 : 40 .